قيود حريرية
دارت به الدنيا فسقط في سريره، وكأنه استنشق الموت للحظات، لم يعد يفرق بين الحلم والواقع فكلاهما تعاهد على عدم البوح إليه بسره، أنفاسه المحشورة داخل ذلك الأنبوب الذي يصل بين فمه الذي يسكنه الجفاف، والقشور الرقيقة التي تنفصل بدقة متتالية طبقة وراء أخرى، واللون الأبيض يمدُّ ظله بسكينةٍ في كهف صغير، قد تجمعت على سقفه بقع ذات رؤوس بيضاء كتلك التي تتجمع على صفحة وجهه، مُشكلةً دائرةً كاملةً على وجنتيه المستلقيتين على صفحة وجه داكن، قد تناثرت عليه لحية مبعثرة، وقد تهدل تجويف أسفل العينين بهالة سوداء تقرءان ما فيهما من خوف، استجمع مجاهداً نفسه ليسرق شهيقاً يجدد أمله في البقاء، أنفاسه المحشورة في زجاجة لن تستطيع المضي في تابوت واقع متهادن مع الحلم، ذاته الحلم الذي يفيق عليه ليالٍ وراء ليال، دون أن يتمكن من الخروج منه، التقاطه هذه الأنفاس وحبسها في زجاجة ليفوز ببضع لحظات أخرى يقارع فيها طبول الحياة.
وضع رأسه بين يديه، وهو يسحب بأصابعه شعيرات رأسه التي تقاطرت عرقاً أسود، ظل واجماً وهو يتلقف أول صور ارتباطه بالحلم، بذلك النسيج الذي يسكنه في قاع المحيط دون أن يتمكن من نسله، والتعلق بخيط رفيع منه، قلبه الواجف الذي تقلص، وتجمد الدم في كل الشرايين الممتدة إليه، والتي جعلت لون جسده يميل للزرقة منها إلى أيِّ لونٍ آخر، لم يستطع أن يرجع إليه طرفه، وقد تشعب اللون الأحمر في عينيه، والذي يضفي ألماً إضافياً على فاتورة بقاءه الباهظة الثمن.

جحوظ عينيه في سائلٍ أصفر ميت، لم تجعله يرى غير المطر الأسود، وهو يتساقط من جبينه المتصفد عرقاً، وقد انحشر مع تلك الدماء السوداء التي لم يعد يعرف من قتلت؟ من امتصت دماءه؟ الغثيان الذي جعله يلفظ قيئاً من أحشاءه الملاصقة لجدار بطنه الرقيق، لجسد واهن، وعظام صدر بارزة، وبقي القيء يتدفق من جوفه ليحيله كائناً آخر أقل صبراً على جبروت واقعه الذي لا يدرك منه شيئاً...
السواد الذي يملأ ملاءة سريره، والصديد الأصفر يضفي لوناً جديداً لكنه أكثر قبحاً مما مضى، كلُّ ما فيه ينتفض، جسده بكل قطعة فيه موصولة مع كل مفصل صغيرٍ أو كبير، يئن من ألم ماءه اللزج، الذي ينسكب من ملابسه الملتصقة بجسده ...

قراءة النص كاملا
2017 © جميع الحقوق محفوضة